رسالة إلى متمرّد

صديقي العزيز

أنا أدرك يا صديقي أنّك مقتنع حقًا بأنّ الاحتجاجات في ساحات لبنان هي الخلاص من هذا الوضع المقيت. ربما تقول في قرارة نفسك أنني خائن لهذا الوطن لأنّي لا أحمل شعاراتكم وأناهض تمرّدكم رغم إقراري كما كلّ زعماء هذا الوطن بأن مطالبكم محقّة، ونابعة من وجعكم، ولكنني لست مثل هؤلاء الزعماء متفهّمًا وحكيمًا كي أطلب منكم البقاء في الساحات، بل أطالبكم بالرحيل عن هذه الساحات لأنّ بقاءكم يهدّد واحدة من أهمّ المنظومات العابرة للطوائف في لبنان.

وكي أكون أكثر صراحة سأقول بشكل مباشر : نعم للفساد. لا أدري كيف عميت عيونكم عن رؤية القيمة الوطنية الجامعة للطوائف التي يقدّمها الفساد. ما الذي يجمع اللبنانيين رغم احتقانهم الطائفي المزمن؟ إنه الفساد وحده لا شريك له.

ما هو القاسم المشترك بين جنبلاط وجعجع وبري، والحريري والعشرات من الأصوات الطائفية المنتشرة في مختلف زواريب وطننا الحبيب لبنان؟ بالله عليك أليس الفساد هو الوحيد القادر على جمع كل هذه القوى الطائفية؟ أليس الفساد هو الذي يدفع ممثّلي الطوائف هؤلاء إلى نبذ الطائفية في خطاباتهم؟ إنها الخصوصية اللبنانية يا صديقي المتمرد هذه الخصوصية التي تحوّل الفساد من نقمة إلى نعمة. فهل نستحق نحن المعادين لثورتكم كل هذه الملامة والغضب من قبلكم؟ إننا ندافع عن الفساد ليس حبًا به بل حفاظًا على الوطن من خلال منظومة الفساد العابرة للطوائف.

والفساد يا صديقي أيضًا يحمل منظومة مواطنة لا يمكن الاستهانة بها. وخذ على ذلك مثال التوظيف في القطاع العام، ستقول أنه غير شرعي وغير قانوني، وسأقول دعك من هذا الهراء ولكن هذا التوظيف هو التعبير الأسمى عن مفهوم المواطنة مفهوم الحقوق والواجبات. حقّ أبناء الطائفة على زعيمهم أن يوظفوا في القطاع العام. وكلّ طائفة تقدّر بطولة زعيمها وقدرته على حشو أنصاره في وظائف القطاع العام، إنّنا ندرك أنّه حقّ من حقوقنا وما أن نحصل عليه حتى يرتّب علينا واجبًا تجاه هؤلاء الزعماء، وهو الطاعة العمياء. أليست هذه المنظومة هي منظومة حقوق وواجبات وبالتالي تعبّر عن مبدأ المواطنة. الأحرى بكم يا صديقي كي تتمكّنوا من تكريس مبدأ المواطنة لا أن تكافحوا الفساد بل أن تطالبوا بتكريس التوظيف غير الشرعي في الدستور اللبناني.

كنت أودّ أن أقول لك الكثير يا صديقي وأن أسهب أكثر في الحديث معك، لكن الوقت لا يتّسع لهذا الحديث، فالأخوة ينتظرونني كي نقتحم عليكم الساحة، أرجوك أن تبتعد قليلًا عن المشهد الاحتجاجي، فالعصا التي أحملها غليظة وأخاف أن تكون أنت في وجهي. يا صديقي يتملّكني الكثير من الغضب، وها هو زعيمي المفدّى يفتح لي بابًا للتنفيس عن غضبي، سأنزل إلى الساحة وأعيث بها خرابًا، سأضرب كلّ من أراه في طريقي. ربّما ستقول أنني همجي ولم نعد أصدقاء، ربما سأوافقك بأنني مجرّد تابع مأجور لزعيم فاسد، لكنني حين أكتب إليك، وحين نتبادل الحديث بصراحة ودفء أشعر بإنسانيتي وأنها مازالت تنبض في مكان ما، أشعر بها تختبئ من زعيمنا البطل المفدى الذي يريد مسحها، وتختبئ منكم أنتم الذين تريدون نفيها من نفوسنا أنا وأخوتي "الزعران". لا أحد يستطيع أن يقتلع إنسانيتنا نحن غاضبون جدًا أرجوك أن تخرج من الساحة.

image/svg+xml

© ٢٠٢٠ النمس | المحتوى متوفّر تحت رخصة المشاع الإبداعي.