ديت مع المخابرات

المخابرات

قال لي أبي مرة: "عندما تكبرين، ستتوقّفين عن الخوف من الأشباح"

انتظرت هذا طويلاً لأتخلّص من عادة الركض بسرعة من المطبخ إلى الغرفة هربًا، وانتظار تحوّل الملابس المرمية على الكرسي إلى جثّث ستمسك بي عند نومي، وسحبي من قدمي المكشوفة  تحت اللحاف ليلاً، حتى عند الاستحمام كنت أفتح عينيّ بتواتر تحت الماء مترقّبة أن تفترسني الأشباح.

 في يوم لا أذكر فيه شكل القمر لأني غير مهتمّة بالفضاء، سهوت عن فتح عيوني تحت الدوش، كنت أفكّر بحدث سياسيّ يبدو مهمًّا إذا اتّخذنا ردّة فعل أبي معياراً،  خرجت بسرعة من الحمام وهتفت “ لقد كبرت"

تلاشت أوهامي عن الأشباح ببطء، أثارتني الأخبار السياسية لأنّها كانت حكرًا على الكبار وسأصبح في فريقهم بسرعة إن فهمتها.

لكن هذا الاطمئنان ما لبث أن تلاشى أيضًأ بعد سماع قصص لا تنتهي عن أشخاص قالوا شيئًا واختفوا للأبد.

هسسسسسسسسسسسسسسسس الحيطان إلها أدان

فهمت الأمر أكثر مع ربطه بقصص الأشباح، كل شيء مسكون ولا تعلم متى سيجرّونك إلى العالم الآخر، هل تقيني الآيات والرقيات من هذا أيضًأ؟

بالإضافة إلى الحيطان هناك دكتور الجامعة، وصاحب الدكان، وجميع الباعة على الطريق تقريبًا، خصوصًا باعة غزل البنات. "كلهم مخابرات انتبهي".

صديقتي نفسها قد تكون مسكونة! عفوًا قد تكون مخابرات.

"هس هس هس بص عليّا بص" هكذا نلفلف أي موضوع قد يستحضر هذه الأشباح، ونمضي منكرين وقوع الحديث أصلًا.

كل هذا الخطر المتربّص لم يمنعني من مواعدة شاب وسيم للمرّة الأولى .

بدأت بتحضير نفسي للموعد، لا شيء للتحضير!!

لا كهرباء لأصفّف شعري ولا حتى لأرى وجهي بوضوح في المرآة، " بسيطة خليه يعرف حقيقتك من الأول" نصائح انستغرام مفيدة أحيانًا

وصلت إلى الملتقى المنشود، تحيات سريعة ثم سألني عمّا أرغب بشربه كأي رجل محترم حفظ قواعد المواعدة من مقال مترجم في مجلة، وكأي فتاة مناسبة لهذه المجلة قلت"اختر أنت".

في الحقيقة كانت الخيارات محدودة، شاي أو نسكافيه من عمو المخابرات، لأننا وللظرف الاقتصادي العام قضينا الموعد في الحديقة كمراهقين، وهذا ما دفعه للاعتذار، كدت أن أقاطعه بــــ : "هس هس هس بُص عليا بُص" لأضرب عصفورين بحجر: التخلّص من أي فكرة قد تودي إلى حديث سياسي بدءاً من اقتصاد المواعيد العاطفية، وأيضاً للإغواء.

ولكن مظهري لم يكن ملائمًا للدلع على الإطلاق، ولم أضطرّ لطرد العصفور السياسي لأن الشاب هنا كان في طريقه لإحضار النسكافيه، و أنا استغللت الفرصة لترديد بعض الرقى احتياطًا وشراء بعض البسكويت لأظهر له كم أنا امرأة مستقلة وأناقض الشخصية الراضية التي قبلت بأي شراب في البداية، تعلّمت هذا أيضاً من فيديوهات انستغرام. في طريق الخروج أضحكتني مهارتنا في الهروب من أي موضوع قد يوقع في حديث سياسي، وفجأة أدركت بأنّ معرفة موقفه السياسي يحدّد إذا كان مناسباً لي أم لا.

قرّرت بشجاعة اختباره، فبحثت  عن أي رجال/ نساء/ أطفال مخابرات في الحديقة، وجدت سبعة تقريبًا، عدد كافٍ للقلق. حفظت الخريطة وسأحاول ألا يصل الكلام إليهم. بدأنا بأكل البسكويت، قلت له "هل هو جيد؟ صرت أخاف من شراء أي شيء، البضاعة فاسدة في الغالب" . ثم قال كلانا: "إنهم فاسدون وقتلة". ثم عمّ الصمت. فكّرت أنّه سيكون مسكوناً الآن، هذه هي اللحظة التي سيستيقظ الشبح فيه، سيعود إلى المنزل ويكتب تقريراً عني وأذهب إلى "وراء الشمس" حسب تعبيرهم وفي رواية أخرى إلى " بيت خالتي". حاولت تهدئة نفسي وإنقاذها بفكرة أنني قلت: "أنهم فاسدون وقتلة" وليس "هو فاسد وقاتل" وأظنّه كان يفكر بالشيء ذاته.

عاد هو إلى تطبيق قواعد المواعدة من المقال المترجم وعرض عليّ توصيلة، وهنا خفت أكثر، من يمتلك سيارة غيرهم في هذا الزمان؟ قلت له "لا أركب سيارة مع رجل غريب" قال: "أيّ سيارة سأستقلّ معك الباص". ليس لديه سيارة، ولكن قد يكون عنصرًا متخفّيًا. فكّرت في أنه يحاول معرفة مكان سكني للعن حياتي بأكملها، فرفضت مجدّداً وسألته أين يسكن، لكنه تهرّب من الإجابة بحجة أنني لن أستطيع معرفة المكان ، بالتأكيد هو لا يريدني أن ألعن حياته بأكملها إن كنت أنا المسكونة، ولكنّي لا أمتلك سيارة، فعليه أن يعلم أني لست كذلك، هل من الممكن أن أكون عنصرًا متخفّيًا؟؟، يا ريت، كنت خفيت حالي.

كان الأوان قد فات لكلينا للهروب من تقرير المخابرات والركض إلى المطبخ، في عقله أنا المخابرات، وهو كذلك في عقلي. تذكّرت حيلة قديمة كنت أستخدمها للنجاة من الأشباح؛ كنت أقول للشبح: "لنكن أصدقاء " وبالفعل استخدم كلانا الحيلة نفسها للسيطرة على رجل المخابرات في داخله، صرنا لطيفين جدًَا مع بعضنا، ويكبر الحبّ بيننا بعد كل حديث سياسيّ مُرهب، فكلما تفوّهت بشيء أرشوه بقبلة على الفور، وهو يفعل الشيء ذاته. "أرجوك أيها الشبح لنكن أصدقاء" لا أعلم ما إذا كانت الحيلة مفيدة، لكننا على هذا المنوال سننجب مئة طفل من مئة حديث سياسي بالغلط، والناس بالحيّ ينادوني أم مخابرات لأن الحيطان الها ادان.