Al Sarsour

الصرصور

انتقلت منذ ما يقارب الشّهرين إلى شقّة جديدةٍ قديمة، يكاد حمّامها يفيض بالمياه يوميًّا، وعلى الرّغم من أرضيّة /الباركيه/ النّظيفة الّتي تغطّي جزءًا كبيرًا من مساحة المنزل، إلّا أنّ مجتمعًا من الحشرات كان قد اتّخذ ملاذًا له في الطّبقة الكائنة بين هذه الأرضيّة الصّناعيّة والأرضية الأصلية، ليس من الغريب ظهور صرصورٍ من أي حجمٍ أو جنسٍ أو لونٍ في أيّ وقتٍ كان، ولو تمّ رشّ المبيدات فإنّك لا تفتئ رؤية جثث الصّراصير المتناثرة هنا وهناك مقلوبةً على ظهورها، حتّى أنّك تصل إلى مرحلةٍ تراقب فيها بشماتةٍ صرصورًا مسكينًا ملقًا على أرضيّة الحمّام يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد تعاطيه /أوفر دوز/ من سمّ الأعصاب الصّراصيري، ولعلك أحيانًا تسخر منه أو ربما تطلق عليه الشتائم والإهانات، بينما هو مشغولٌ لا يلقي لك بالًا محاولًا نفض سيقانه الستّ لتقلبه على وجهه ثانيةً، حتى تذهب هذه المحاولات بآخر نفسٍ فيه، وتستقرّ جثّته متخشّبةً في مكانها، وكأنها تمثال لراقصٍ نقريّ قد رفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى وشبك ساقيه السّفليّتين ببعضهما,بينما تطاير شارباه في اتّجاهاتٍ عشوائيّةٍ تتغيّر تبعاً لتدفّق المياه من تحته.

 يُثار تساؤلي حتّى هذه اللّحظة عن السّبب الذي منعني من رمي الجثة والتخلّص من هذا المشهد الفنّي المريع –عدا عن كوني لا أجرؤ على الاقتراب حتى، من جثّة صرصور- بل إنّني لأصبحت ألقي عليه التّحية كلّما دخلت الحمّام، حيث أرفع ذراعي اليمنى نحو الأعلى وأشبك ساقي، و أبتسم ثم أتابع التّبول بسلام; أفضّل هذا النوع من السلام العابر.

حاول الوالد تلقيني درساً بأن يطعمني صرصوراً اصطاده بشوكةٍ /ستانلس/  بعد أن جبنتُ عن قتله عندما رأيته في المطبخ قبل ساعتين من عودته إلى المنزل، مانحاً إياه وقتاً كافياً ليختفي في أي زاويةٍ في البيت ،"من الجيّد أنّه كان ممّن يزقزقون"  حاولت ماما ترضية حنق أبي. كان قد اختبأ في ظهر الأريكة الفضّية. أسود، متّ، ملطّخٌ بأحشائه البيضاء التي برزت حول أشواك الشّوكة. ضحك أبي من تصديقي أنّني على وشك أكل صرصور وغيّر طريقه نحو المطبخ.

على كلّ حال أتابع التبوّل متأمّلاً من نافذة الحمّام المفتوحة بقايا العرائش الخضراء، حيث تسلّقت بناءً مهجوراً مجاوراً لآخر عملاقَ (جديدٍ) مكسوٍّ بالمرايا اللّامعة، تعلوه رافعةٌ كبيرةٌ صدئة تفاجئك حركتها بعد أن ظننت أنّها لن تتحرّك أبداً، أو تمنّيت ذلك على الأقل. في ذلك البناء المرتفع تلمح أحيانا من بعض النّوافذ المفتوحة الرّخاء الذي يعيشه ساكنوه . أسرّةٌ ضخمة, شاشاتٌ ضخمة, مرايا ضخمة, كروشٌ ضخمة, وعاملاتٌ من جنسيّاتَ مختلفة تتمتّع معظمهنّ بمؤخّراتَ ضخمة.
أهو نادي هواة جمع ضخائم الأمور؟ أَمِن أصدقاءَ صراصير هناك؟! أهي ضخمة أيضاً، وهل يتمّ إلقاء التّحيّة عليها مثل صراصيرنا؟ 

أكلت مرّةً طفلاً خطأً. اغرورقت أعين الصّراصير بالدّموع. أعدت ملعقتي إلى صحني، جلّست ظهري، وصمتّ. لم يرَ بشّار بقايا جثّة الصّرصور الممعوسة بين الأرزّ والباذنجان المقليّ. لم تعاين ملاك تدرّجات البنّي التي عادةً ما تكسو المقلوبة وكيف كان شقار الصّرصور المطبوخ مكمّلاً للطّيف اللوني. بكيا قبل رؤيتهما وجه أمّهما، ومن ثمّ أبيهما عندما لاحظ كلّ منهما الملعقة أخيراً. طوّق صمتٌ نحيب الولدين لثوانٍ بدت كأنّها ساعات، تذكّر فيها البالغون ممّن حول الطاولة –على الأقل- كلّ الخراء الذي وصل بنا إلى هذه اللحظة. الحنفيّات المكسوّة بملح البحر، اتّهام أختي بالشّرمطة، رؤيتي قضيب صهري مرارًا، الحرب في سوريا.